الشيخ محمد رضا مهدوي كني
414
البداية في الأخلاق العملية
لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 1 » . وقال تعالى أيضا : . . . وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 2 » . . . . وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 3 » . التفاتة أدبية لا بد من إلفات النظر إلى نقطة أدبية وهي انّ الجمع بين العفو والصفح في الآيتين السابقتين وان كان يبدو وكأنه ذكر لمفردتين مترادفتين تدليلا على التأكيد ، غير انّ الراغب الاصفهاني يقول في مفرداته انّ مفردة « الصفح » أبلغ في إفادة المعنى إذ ليست تحمل معنى العفو فحسب وانما تحمل الإعراض عن ذنب المذنب أيضا . فقد يعفى عن شخص بعد الحكم عليه بعقوبة ما ، غير انّ الصفح هو الاعراض عن ذنبه وتجاهله . ولو اقبل المذنب طالبا الاعتذار لتعامل معه الصفوح وكأنّ ذنبا لم يصدر عنه قط . فالعفو بمعنى الستر والتغطية في حين انّ الصفح يعني الإعراض والتجاهل . ففي العفو يتم ستر الذنب والتغطية عليه ، بينما يتم تجاهله والاعراض عنه تماما في الصفح . قال القرآن الكريم في العفو : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ « 4 » . وهنا مع فرض صدور الذنب فان الذي يعفو ويصلح فأجره على اللّه . واما بشأن الصفح فقد قال تعالى :
--> ( 1 ) آل عمران / 134 . ( 2 ) النور / 22 . ( 3 ) التغابن / 14 . ( 4 ) الشورى / 40 .